مجموعة مؤلفين
31
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
--> - ومما وقع له أن رجلا من دمشق ، فرض على نفسه أن يلعنه كل يوم عشر مرات ، فمات ، وحضر ابن عربي جنازته ، ثم رجع فجلس ببيته ، ثم توجه للقبلة ، فلما جاء وقت الغداء أحضر إليه فلم يأكل ، ولم يزل على حاله إلى بعد العشاء ، فالتفت مسرورا وطلب العشاء وأكل ، فقيل له في ذلك فقال : التزمت مع اللّه أني لا أكل ولا أشرب حتى يغفر لهذا الذي يلعنني ، وذكرت له سبعين ألف « لا إله إلا اللّه » فغفر له . وقد أوذي الشيخ كثيرا في حياته وبعد مماته بما لم يقع نظيره لغيره ، وقد أخبر هو عن نفسه بذلك ، وذلك من غرر كراماته . فقد قال في الفتوحات : « كنت نائما في مقام إبراهيم ، وإذا بقائل من الأرواح - أرواح الملأ الأعلى - يقول لي عن اللّه : ادخل مقام إبراهيم ، إنه كان أواها حليما . فعلمت أنه لابد أن يبتليني بكلام في عرضي من قوم ، فأعاملهم بالحلم ، وقال : ويكون أذى كثيرا ، فإنه جاء بحليم بصيغة المبالغة ، ثم وصفه بالأوّاه ، وهو من يكثر من التأوه لما يشاهد من جلال اللّه » انتهى . قال الصفي ابن أبي منصور : جمع ابن عربي بين العلوم الكسبية والعلوم الوهبية . وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا وخلقا ، لا يكترث بالوجود ، مقبلا كان أو معرضا . وقال تلميذة الصدر القونوي الرومي : كان شيخنا ابن عربي متمكنا بالاجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء الماضين على ثلاثة أنحاء : - إن شاء استنزل روحانيته في هذا العالم ، وأدركه متجسدا في صورة مثالية ، شبيهة بصورته الحسنة العصرية التي كانت له في حياته الدنيا . - وإن شاء أحضره في نومه . - وإن شاء انسلخ من هيكله ، واجتمع به . وهو أكثر القوم كلاما في الطريق ، فمن ذلك ما قال : ما ظهر على العبد إلا ما استقر في باطنه فما أثر فيه سواه ، فمن فهم هذه الحكمة وجعلها مشهورة ، أراح نفسه من التعلق بغيره ، وعلم أنه لا يؤتي عليه بخير ولا بشر إلا منه ، وأقام العذر لكل موجود . وقال : إنما كان العارف لا يرى في نومه ما يراه المريد من الأنوار والأمور الحسنة ؛ لأنه لا ينام إلا على -